منذ إطلاق رؤية السعودية 2030 في عام 2016، دخلت المملكة مرحلة جديدة من التحول الوطني الشامل، مرحلة جمعت بين وضوح البوصلة، وعزم التنفيذ، والقدرة على قياس الأثر. وعلى امتداد السنوات الماضية، تحولت الرؤية إلى إطار عملي يستثمر في مكامن القوة، ويعيد تشكيل الاقتصاد والمجتمع والقطاع العام، ويمنح التنمية معنى أوسع يقوم على بناء الفرص، وتوسيع المشاركة، ورفع جاهزية الإنسان للمستقبل.
هذا التحول تعكسه الأرقام التي سجلتها الرؤية حتى عام 2024. فقد انخفض معدل البطالة إلى 7.8% بعد أن كان 12.3% في 2016، وبلغ الناتج المحلي غير النفطي 681 مليار دولار، ووصلت نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل إلى 34%، فيما ارتفعت نسبة تملك المساكن إلى 65.4%. ويكشف التقرير السنوي للرؤية كذلك أن 93% من مؤشرات الأداء الرئيسة قد تحققت أو تسير على المسار الصحيح نحو الاكتمال بحلول عام 2030، وهو ما يعكس نضج التجربة السعودية في تحويل الطموح إلى نتائج متدرجة وواضحة.
وفي سبيل تحقيق التحول الوطني، جاءت رؤية 2030 وهي تضع الإنسان في مركز المشروع كله؛ في التعليم، وسوق العمل، والمهارات، والقيادة، وجودة الحياة. ومن هنا اتسع أثر الرؤية من كونه إصلاحًا اقتصاديًا إلى كونه مسارًا يعيد تشكيل الفرص، ويرفع جاهزية المجتمع، ويفتح أمام الشباب السعودي أفقًا أوسع للمشاركة في صناعة المستقبل.
ويبرز التنويع الاقتصادي هنا بوصفه أحد أهم تجليات هذا التحول. فالاقتصاد السعودي اليوم يوسّع ثقله في القطاعات غير النفطية، ويفتح مجالات متنامية في السياحة، والترفيه، والخدمات اللوجستية، والتقنية، والاقتصاد غير الربحي. ومع هذا الاتساع، تتقدم مهارات جديدة إلى الواجهة: ريادة الأعمال، والابتكار، والقيادة، والبيانات، والتصميم، والعمل المجتمعي، والاستدامة. وفي هذه المساحة تحديدًا، يظهر دور الجهات التي تبني الإنسان وتؤهله، لأن التحول الاقتصادي يحتاج إلى جيل قادر على مواكبته وصناعته في الوقت نفسه.
وعلى المستوى الاجتماعي، أنتجت الرؤية بيئة أكثر انفتاحًا على المعرفة، والثقافة، والعمل، والمشاركة. وارتفعت نسبة خريجي الجامعات الذين حصلوا على وظائف خلال ستة أشهر من التخرج من نحو 13% في بداية الرؤية إلى 43% في عام 2023، وهو مؤشر يعكس تغيرًا مهمًا في العلاقة بين التعليم والفرص، وبين التأهيل والاندماج في سوق العمل. وتكشف هذه المؤشرات أن المجتمع السعودي يعيش تحولًا يتجاوز الأرقام المجردة إلى إعادة تشكيل واقعية لمسارات الحياة والعمل والطموح.
في هذا السياق، تتقدم مؤسسة محمد بن سلمان “مسك” بوصفها إحدى الجهات التي تعمل داخل هذا التحول من زاويته الأهم: الإنسان. فبحسب موقعها الرسمي، تأسست مسك عام 2011 كمؤسسة غير ربحية تسعى إلى تنمية الشباب عبر التعليم، وريادة الأعمال، والقيادة، والثقافة، والابتكار، وتعمل على بناء منظومة تمكّن المواهب السعودية من التعلم والتطور والمساهمة في تشكيل مستقبل المملكة. وهذا التموضع يجعل علاقتها برؤية 2030 علاقة طبيعية ومباشرة، لأن الطرفين ينطلقان من الفكرة نفسها: الاستثمار في القدرات بوصفه أساسًا لأي تحول مستدام.
العلاقة بين رؤية 2030 ومسك تتضح أكثر حين ننظر إلى مسارات العمل الفعلية داخل المؤسسة. فمسك لا تكتفي بطرح مفاهيم عامة عن التمكين، بل تقدم برامج وشراكات ومساحات تطوير تصنع انتقالًا حقيقيًا في رحلة الفرد، من التعلم إلى المهارة، ومن المهارة إلى القيادة، ومن القيادة إلى الأثر. وبهذا المعنى، تبدو المؤسسة جزءًا من البنية التي تترجم بعض مستهدفات الرؤية إلى فرص ملموسة وتجارب قابلة للقياس والتوسع.
وفي جانب تنمية رأس المال البشري، تقدم مسك نموذجًا واضحًا لهذا الدور. فالشراكة التي وقعتها المؤسسة مع كلية لندن للأعمال في أبريل 2025 جاءت للتعاون في مجالات تطوير القيادات، والتعليم التنفيذي، والبحث العلمي، والاتصال الاستراتيجي، مع تركيز على إعداد جيل جديد من القادة الشباب وتوسيع الوصول إلى تعليم نوعي عالي المستوى. وتنسجم هذه الشراكة مع المسار الذي تعمل عليه الرؤية في بناء كفاءات وطنية قادرة على العمل عبر القطاعات المختلفة وقيادة المرحلة المقبلة.
وفي مسار تمكين الشباب وصناعة الأثر، أعلنت مسك بالشراكة مع مؤسسة غيتس إطلاق برنامج “تحدي نحو الأثر” في أبريل 2025، بهدف تمكين المنظمات غير الربحية والمنشآت الاجتماعية في السعودية من تطوير حلول مبتكرة لتحديات تنموية عالمية. ويعكس هذا البرنامج فهمًا أوسع لدور الشباب السعودي؛ فهم ليسوا فقط مستفيدين من فرص التحول، بل شركاء في إنتاج الحلول وصناعة المبادرات ذات الأثر المحلي والعالمي.
كما يظهر هذا التوجه في حضور مسك عبر المنصات والمنتديات التي توسع دائرة التفاعل والمعرفة والاتصال. وتعرض منصات المؤسسة الرسمية برامجها ومبادراتها بوصفها مسارات تضع الشباب في بيئات تعلم وتبادل وتطوير مستمرة، بما يعزز الجاهزية للمستقبل ويمنح التمكين بعدًا عمليًا يتصل بالفرص الحقيقية، لا بالشعارات العامة وحدها.
أما مدينة محمد بن سلمان غير الربحية “مدينة مسك”، فهي تمثل الامتداد المكاني والفكري لهذه الرؤية. ويصفها موقعها الرسمي بأنها أول مدينة غير ربحية من نوعها في العالم، ونموذج حضري رائد يعكس طموح المملكة في تنمية المعرفة والإبداع والابتكار وريادة الأعمال، مع توفير بيئة تحتضن منظومة مؤسسة مسك وتوسع أثرها. وفي هذا المعنى، تقدم المدينة صورة عملية عن كيفية تحول الأفكار الكبرى إلى بيئة يعيش فيها الناس ويتعلمون ويعملون ويبتكرون داخل إطار صُمم من البداية ليخدم الإنسان والتنمية معًا.
وتؤكد استراتيجية المدينة كونها مشروعًا نوعيًا يرتبط ببناء بيئة حضرية جديدة للقطاع غير الربحي والاقتصاد المعرفي، فيما تظهر أحداث المدينة نفسها مسارًا واضحًا في دمج الاستدامة داخل نموذجها التطويري. ففي يوليو 2025 أُعلن عن توقيع اتفاقية طاقة شمسية لمدة 20 عامًا لتزويد المدينة بالكهرباء النظيفة، في خطوة تعكس ربط النمو الحضري بحلول الطاقة والاستدامة البيئية، بما ينسجم مع الاتجاه الوطني الأوسع نحو مدن أكثر كفاءة واستعدادًا للمستقبل.
وعند جمع هذه العناصر في صورة واحدة، تتضح العلاقة بين رؤية 2030 ومؤسسة مسك بوصفها علاقة تكامل في المستوى والوظيفة. فالرؤية تحدد المسار الوطني الواسع، ومسـك تعمل على الإنسان الذي سيقود هذا المسار ويمنحه استمراريته. الرؤية تفتح الأفق، ومسـك تجهز من يدخل هذا الأفق بثقة ومهارة ومعرفة. والرؤية تعيد تشكيل ملامح المستقبل السعودي، بينما تسهم مسك في إعداد الجيل القادر على تحويل هذا المستقبل إلى واقع حي ومتجدد.
ومع اقتراب الرؤية من عامها العاشر، تتأكد قيمة هذا الدور أكثر. فالتجارب الوطنية الكبرى تقاس بما تحققه من منجزات، وتقاس أيضًا بقدرتها على إعداد جيل يقود المرحلة. ومن هذه الزاوية، تبرز مسك جزءًا أصيلًا من قصة التحول الوطني؛ لأنها تتحرك في المساحة التي يبدأ منها الأثر: مساحة الإنسان، حين يجد الفرصة، ويكتسب المهارة، ويتقدم إلى موقع الفعل والمبادرة والقيادة.




