"عندما تقدمت للتطوع في راوندا أحاطني مجتمع زمالة مسك بدعم تلاشت معه كل مخاوفي وشعرت أني أتقدم بثقة نحو تحقيق حلمي ومن خلفي جيش كامل يقف داعماً لي في كل خطوة"

بعض التفاصيل الصغيرة ليست صدفة بحتة، إنما هي قَدَر وبداية رحلة. كان صباح يومٍ بارد في بيتسبرغ، وكانت خلود طالبةً في بداية رحلتها الجامعية بعمر لا يتجاوز 19 ربيعاً، توجهّت فيه لمقهى قريب تنشد دفئاً لذيذاُ في كوب قهوة فإذا به يغير حياتها.

“If you give, you’re going to get more in returns”

لامست هذه العبارة القصيرة المكتوبة على كوب القهوة الورقي وجدان خلود وفتحت في ذهنها عالماً من التساؤلات، كيف تستطيع أن تعطي بكل طاقتها؟ وكيف تبدأ من نفسها لتكون هي التغيير الذي تأمل أن تراه في العالم؟

أدركت خلود فيما بعد بأن التغيير الإيجابي في حياة من حولها ولو بقدر بسيط سيتنامى مع الوقت، ليصل لدائرة من يحيط بهم ويتعدّاها إلى دائرة أوسع فأوسع حتى يعم النفع ويتسع حجم الأثر، ومن ذلك اليوم أصبح التطوع أسلوب حياة خلود.

 

التحقت خلود ببرنامج ابتعاث الملك عبدالله عام 2010 لدراسة البكالوريوس في تخصص الهندسة الطبية الحيوية بجامعة Robert Morris ومن ثم انضمت إلى زمالة مسك نهاية عام 2018 أثناء دراستها للماجستير في جامعة Carnegie Mellon في تخصصي الهندسة الطبية الحيوية و الهندسة وإدارة التكنولوجيا والابتكار.

أحسّت خلود منذ البدايات بانتمائها لمجتمع زمالة مسك الإبداعي، الذي مكّنها من تحديد اهتماماتها بدقة، والتعرّف على رغباتها وميولها بشكل أفضل، وذلك من خلال البرامج المختلفة لتطوير المهارات والقدرات، واللقاءات المتعددة مع الزملاء والموجهّين، الذين ألهمتها قصصهم وتجاربهم لاتباع شغفها، والإسهام في مسيرة التطوير محلياً وعالمياً .

وفي عام 2019 بدأت رحلة التطوع كما تحب خلود أن تسميها، فقد كان الالتحاق ببرنامج تدريبي في فترة الإجازة الصيفية أحد متطلبات مرحلة الماجستير، فاتجهت للانضمام لبرنامج خاص بمؤسسةEngineering World Health الغير ربحية للتطوع في راوندا.

كانت فكرة السفر إلى راوندا مقلقةً من جوانب عدة: دولة جديدة ذات ثقافة ولغة مختلفة، وتفاصيل حياةٍ أبعد ما تكون عن ما اعتادت عليه، ولكن الشغف كان أكبر من المخاوف فطرحت خلود الفكرة على مجتمع زمالة مسك لتجد منهم كافة معاني الدعم والإيمان بقدرتها على تحقيق النجاح في تلك الرحلة، فأنصت الموجهون بعناية لتساؤلاتها، وأجابوا عليها بشمولية منحتها الثقة على الإقدام، وشاركها الزملاء بسخاء تجاربهم وخبراتهم في عالم التطوع، حينها تلاشت كل تلك المخاوف و شعرت خلود أنها تتقدم بثقة نحو تحقيق الحلم ومن خلفها جيش كامل يقف داعماً لها في كل خطوة.

لقد قضت خلود شهرين من إجازتها الصيفية في راوندا مواجهةً بكفاءة مشاكل فاقت تخيلها كنُدرة الماء، وعدم وجود شبكة للإنترنت في المستشفيات، وافتقار المنشآت الصحية لأدنى معايير الخصوصية والأمان وتقنيات التشخيص والعلاج، فقد كان توظيف برنامج Excel للاحتفاظ ببيانات المرضى على سبيل المثال خياراً متقدماً في راوندا!

ورغم كل تلك التحديات لم يتسلل اليأس إلى نفسها بل انتقلت من منشأة صحية إلى أخرى باذلةً كل جهدها ومُسخّرةً علمها وقدراتها وخبراتها لمساعدة التقنيين والمهندسين في الاستفادة من الأجهزة الطبية المتوفرة بأفضل ما يمكن، وإصلاح التالف منها، وإدارة المستشفيات، و تدريب الممرضين والمعالجين، والتأكد من سلامة المرضى.

كان التطوع في راوندا رحلة استشعرت خلود من خلالها عمراً مضى من النعم التي أحاطت بها دون أن تدرك قيمتها، وتجربةً غيرت حياتها بالكامل وتجاوزت تفاصيلها حد الخيال، لتعود لاستكمال دراستها في أمريكا تاركةً وراءها قلباً تعلق بتفاصيل تلك التجربة التي حوّلت مسار خلود الوظيفي وطموحها المستقبلي بشكل كامل لتتجه نحو الأنشطة الغير ربحية والتي تستهدف توظيف التكنولوجيا والأجهزة الطبية لخدمة الدول الفقيرة ومحدودة الموارد بالشكل الملائم.

وبمساعدة زمالة مسك حددت خلود مسارها في الحياة بشكل واضح، بعد أن زرعت فيها الزمالة العزيمة لاستغلال الوقت والجهد وتسخير الطاقة والعلم والخبرة لصناعة مستقبل أفضل لها ولمجتمعها ولوطنها وللعالم أجمع من حولها، وعزّزت في نفسها الرغبة في قيادة التغيير الإيجابي محلياً وعالمياً، لتنطلق بخطىً ثابتة وواثقة نحو تحقيق أحلامها واحداً تلو الآخر.

وأخيراً فإن لكل القصص أبطال، وبطلة القصة هنا شابة سعودية طموحة ذات شخصية مُلهمة وتجربة تستحق أن تروى للعالم، كان هذا جانب زمالة مسك من قصة نجاح خلود، وللقصة جانب آخر نشرته عنها جامعتها Carnegie Mellon في الرابط التالي: (https://www.cmu.edu/news/stories/archives/2020/december/khulood-al-ali.html)
ولازال للقصة جوانب أخرى لم تروى ……

الصور والفيديوهات